سيد محمد طنطاوي
203
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُه ، وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً . ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة ، وعن أحوال الناس فيه ، وعن حالة الإنسان في وقت الاحتضار ، وعن مظاهر قدرته - تعالى - وعن حكمته في البعث والحساب والجزاء ، فقال - سبحانه - : [ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 20 إلى 40 ] كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وتَذَرُونَ الآخِرَةَ ( 21 ) وُجُوه يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) ووُجُوه يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ( 24 ) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ( 25 ) كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وظَنَّ أَنَّه الْفِراقُ ( 28 ) والْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) فَلا صَدَّقَ ولا صَلَّى ( 31 ) ولكِنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى ( 32 ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِه يَتَمَطَّى ( 33 ) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْه الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى ( 39 ) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) وقوله - سبحانه - * ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ . وتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) * بيان لما جبل عليه كثير من الناس ، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة ، على منافع الآخرة الباقية ، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك ، الذي يدل على قصر النظر ، وضعف التفكير . أي : كلا - أيها الناس - ليس الرشد في أن تتركوا العمل الصالح الذي ينفعكم يوم القيامة ، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة . . بل الرشد كل الرشد في عكس ذلك ، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ما ينفعكم في آخرتكم ، كما قال - سبحانه - : وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّه الدَّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ويَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا « 1 » .
--> ( 1 ) سورة الإنسان الآية 27 .